محمد غازي عرابي

874

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

ومع هذا فإن أسلوبها يختلف عن أسلوب القرآن ، إذ أن النبي قال هذه الأحاديث بعد أن بلغ عين الجمع ، وقال ما قال عن اللّه وباللّه وباعتباره قد صار ترجمان اللّه ولسان حاله والمعبر عن مشيئته ، وهناك الأسلوب النبوي الثالث وهو الحديث الشريف ، وهو كلام النبي نفسه أو فعله ، وأسلوبه يختلف أيضا عن أسلوب القرآن والأحاديث القدسية ، وقالت العلماء لو كان النبي نفسه مؤلف القرآن والحديث القدسي والحديث الشريف لما تنوعت الأساليب ، إذ من المعروف أن للإنسان الخلاق أسلوبه المميز ، وأسلوبه لا يتغير ولا يتبدل ، ولهذا يقال أسلوب شيكسبير وأسلوب ديكنز وأسلوب تولستوي ، والنقاد قادرون على معرفة المؤلف بمجرد الاطلاع على شيء من إنتاجه ، وفي عالم الفن تميز النقاد أسلوب كل فنان بمجرد رؤية لوحة من لوحاته مثل دافنتشي ورامبرانت ورينوار ، وفان غوغ . وعلى هذا يكون النبي قد حقق معجزة في مجال الخلق الفني لأنه أتى بثلاثة أساليب ، يختلف الواحد منها عن الاخر ، مما يثبت بصورة لا تقبل الجدل ولا النقض أن ما أتى به النبي هو من عند اللّه عندما قال القرآن ، ومن عنده عندما قال الحديث . [ سورة يس ( 36 ) : آية 70 ] لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ ( 70 ) [ يس : 70 ] فرقت الآية بين فريقين ، وسمّت الفريق الأول الأحياء وسمت الفريق الآخر الكافرين ، فالمؤمن حي والكافر ميت ، وسر ذلك أن المؤمن يرى بنور ربه ، ونور ربه يبلغه اليقين الذي مشى به المسيح على الماء ، أي نجا من طوفان هيولى عالم العناصر واستوى على جبل الجودي حيث العلم والسكينة والراحة بعد المجاهدة . والآية تنذر الأحياء أي المؤمنين ، وللإنذار رقيقة ، ذلك أن الإيمان درجات ذكرها اللّه في القرآن ، إذ قال مثلا : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [ الحجرات : 14 ] ، كما أن الإيمان دون الإحسان الذي هو اليقين كما قال سبحانه : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( 99 ) [ الحجر : 99 ] ، فالآية تحفز المؤمن على متابعة هجرته إلى اللّه حتى يبلغه ويعرفه . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 71 إلى 77 ] أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ ( 71 ) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ ( 72 ) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَ فَلا يَشْكُرُونَ ( 73 ) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ( 74 ) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ( 75 ) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ( 76 ) أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ( 77 ) [ يس : 71 ، 77 ]